كيف يستثمر المسلم أمواله بالحلال ؟
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
الضوابط الشرعية لاستثمار المال :
في ظل انتشار وسائل توصيل العلم للناس من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثة ومنها شرائط الكاسيت والفيديو والكمبيوتر والإنترنت والقنوات الفضائية، يجب على المؤمن التقى الذى يخشى الله أن يبحث عن الأدلة القوية لكل رأى، ويختار الرأي الذى يرتاح إليه قلبه وفقا لوصية رسول الله صلي الله عليه وسلم: صلى الله عليه وسلم الإثم ما حاك في صدرك وتخاف أن يطلع عليه الناس) ووصيته الأخرى التي يوصى فيها صلي الله عليه وسلم (استفت قلبك) ولا ينبغي ولا يجوز شرعا أن نقول (ضعها في رقبة عالم واخرج سالم).
ولقد اتفق الفقهاء من السلف والخلف على مجموعة من الضوابط المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية لاستثمار الأموال بعيدا عن الربا، من أهمها ما يلى:
- ضابط استثمار المال في مجالات الحلال الطيب: المشروعية والطيبات.
- ضابط المشاركة في الربح والخسارة وهو ما يسمى في الفقه (الغنم بالغرم).
- ضابط فقه الأولويات: الضرورات فالحاجيات.
- ضابط المحافظة على المال لأنه قوام الحياة ولا يجب تعرضه للهلاك.
- ضابط تنمية المال حتى لا تأكله الزكاة (الصدقة) بالاستثمار الحلال الطيب.
- التحفيز على الاستثمار وعدم اكتناز المال وحبسه عن التداول.
- لا كسب بلا جهد ولا جهد بلا كسب وذلك عند تفاعل ومشاركة المال مع العمل.
- ربط العوائد بالمخاطر وكلما زادت المخاطر زادت العوائد ولا ربح حلال بدون مخاطر.
- ضوابط أخرى كثيرة يضيق المقام لبيانها ولكن نكتفى بما نحتاجه الآن في هذه الدراسة.
لذلك يجب على من يخشى الله ويتقه أن يلتزم بهذه الضوابط قبل أن يُقْدِمْ على استثمار أمواله، كما يجب عليه تجنب هوى النفس التي أحيانا يزين لها الشيطان الحرام الكثير فتقدم عليه ولا تبالى بأن الحلال القليل فيه البركة من الله.
البواعث والدوافع الذاتية لاستثمار رأس المال بالحلال :
ومن البواعث والدوافع والحوافز التي ترشد المسلم المؤمن التقى إلى الاستثمار الحلال الطيب ما يلى:
- الإيمان العميق القوى بأن المال مال الله ونحن مستخلفين فيه ولذلك يجب أن يكون استثمار المال وفقا لشرع الله المالك الحقيقي لهذا المال.
- الإيمان الصادق الراسخ بأن الله يبارك في الحلال الطيب القليل ويمحق الخبيث ولو كثر.
- الإيمان بالمحاسبة الأخوية مع الله يوم القيامة، يسألنا لماذا استثمرنا أموالنا بالربا وفى الخبائث؟، مصداقا لقوله تعالى في آخر آيات الربا: {وَاتَّقُوا يَوْما تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281].
وقول الرسول صلي الله عليه وسلم: (لن تزولا قدم عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: منها عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه). رواه الترمذي.
- الإيمان بأن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى والأولى أن يأتي من الحلال بدلا من أن يأتي من الحرام.
كيف تستثمر مالك بالحلال؟ :
لقد فتح الله أبوابا شتى من الحلال الطيب ليُستثمر من خلالها المال، فلا يستوى ولا يتماثل الربح الحلال الطيب مع الربا الحرام... لقد قالوا وما زالوا يقولون: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا}، فرد الله عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ومدلول ذلك: لقد أحل الله الربح الناتج من البيع والشراء (النشاط الذى فيه بيع وشراء مع وجود سلعة / بضاعة / خدمة / موضوع التعامل) وحرم الربا الناتج من مبادلة مال بمال وزيادة بدون أن توجد سلعة أو خدمة ليتم التعامل عليها بما كان يتعامل العباس عم النبي eقبل الإسلام حيث كان يمول التجار بالربا ونهاه الرسول وقال له: بالمضاربة (المشاركة في الربح والخسارة).
ومن أمثلة الوسائل (الصيغ / الأشكال) الحلال لاستثمار المال على سبيل المثال ما يلى:
أولا: الاستثمار الذاتي:
أي يقوم الفرد صاحب المال بتشغيل ماله بنفسه، أو يشترى به محلات تجارية ويؤجرها... أو يشترى سلعا معمرة للمستقبل، ويجب أن يضع الفرد نصب عينيه دائما على تنمية ماله ولا يتركه عاطلا، كما يجب أن يوقن تماما أن مجالات الاستثمار الحلال مفتوحة ميسرة والمحرم هي الذى ورد نص يحرمها... كما يجب أن يتأكد من الحلال في مجال الاستثمار من تطبيق القاعدة الشرعية: مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة وهذه الصيغ من صيغ استثمار المال تصلح لمن عنده خبرة في مجالات الأعمال ولا تصلح لمن لا يستطيعون ضربا في الأرض مثل الموظفين والأرامل والشيوخ ونحوهم، ويمكنهم الاختيار من الصيغ التالية:
ثانيا: الاستثمار عن طريق نظام المضاربة الإسلامية [فكرة توظيف الأموال المشروعة]:
وهو نوع من أنواع المشاركة بين صاحب رأس المال وصاحب العمل حيث يتوفر لدى الأول رأس المال وتنقصه الخبرة العملية أو يصعب عليه القيام بممارسة المعاملات، ويتوفر لدى الثاني الخبرة والمقدرة على ممارسة نشاط المعاملات سواء أكانت تجارية أو زراعية أو صناعية أو خدمية ويتفقان سويا على توزيع عائد ربح عمليات المعاملات الفعلية كل فترة زمنية بينهما بنسبة يتفقان عليها (أي تطبيق قاعدة الغُنم بالغُرم) وهناك شروط مختلفة لعقد المضاربة الإسلامية ولكن قد تتخذ أشكالا مختلفة وكل أشكالها مشروعة ما لم تكن في أي منها مخالفة لنص شرعي، يُرجع إلى فقه المضاربة في كتب الفقه المختلفة.
ومن الضوابط الشرعية للمضاربة الإسلامية ما يلى:
ـ أن تكون في مجالات الحلال الطيب.
ـ أن لا يضمن صاحب العمل رأس مال المضارب.
ـ أن لا يضمن صاحب العمل ربح محدد مسبقا لصاحب المال.
ـ يضمن صاحب العمل لصاحب المال التعدي والإهمال.
ـ لا يشترك صاحب المال في الإدارة بل له الحق في المشاركة
وحتى يمكن تطبيق هذه الوسيلة أو الصيغة يجب أن يتوافر في صاحب العمل: الأمانة والصدق والكفاءة الفنية، وهذا يتطلب من صاحب المال أن يختار من يخافون الله ولديهم الخبرة والحنكة والبصيرة.
ثالثا: استثمار المال بطريق المشاركة :
يُقصد بالمشاركة في هذا المقام أن يشترك اثنان أو أكثر في تجارة أو صناعة أو زراعة أو تقديم الخدمات للغير كل منهم يقدم مالا وعملا، على أن يقتسما ما يسوقه الله إليهم من ربح حسب ما يتفقا عليه، وإذا خسرا توزع بينهم الخسارة بنسبة حصة كل منهم في رأس المال.
وتتعدد صور ونظم المشاركة حسب طبيعة الشركاء والعمليات التي سوف يقومون بها... وفى ضوء القاعدة الشرعية: أن الأصل في المعاملات الحِل والإباحة ما لم يصطدم بنص شرعي يوجب التحريم فكل المشاركات حلال، فمنها المشاركة الثابتة ومنها المشاركة المنتهية بالتمليك، ويعتبر استثمار الأموال طبقا لنظام المشاركة من أهم الطرق المشروعة لملاءمتها مع طبيعة المشروعات الاقتصادية المعاصرة، وهناك طرق مختلفة للمشاركة أجازها فقهاء الإسلام مثل شركات التضامن والتوصية البسيطة والمحاصة وشركات الصنائع وشركات الوجوه وأي صوره أخرى مستحدثه تتفق مع أحكام ومبادى الشريعة الإسلامية.
ومن متطلبات هذه الصيغ وجود الشريك الأمين الصادق الكفء ومجال الاستثمار الحلال الطيب، كما يجب أن تكتب العقود وتوثق، ويوضح فيها شروط الإدارة وتوزيع الأرباح والخسائر والتصفية أو التخارج أو نحو ذلك، وهذه الشركات هي قوام النشاط الاقتصادي والتنمية الشاملة للمجتمع وتعالج مشكلة التضخم لأن الأموال تكون مستثمرة في أصول عينية.
رابعا: استثمار المال عن طريق المساهمات في رؤوس أموال الشركات المساهمة:
تعتبر شركات المساهمة وما في حكمها من صيغ الاستثمار التي أجازها الفقهاء المعاصرون لأنها تقوم على أساس قاعدة المشاركة في الربح والخسارة (الغنم بالغرم) بشرط أن تعمل في مجال الحلال الطيب ووفقا للأولويات الإسلامية.
ورأس مال الشركة المساهمة مقسم إلى حصص يطلق على كل حصة سهم، ويعتبر حامل السهم شريكا في صافى موجودات (أصول) الشركة، وفى نهاية كل فترة مالية تحسب النتائج فإذا كانت ربحا يوزع على حملة الأسهم بضوابط قانونية ونظامية وإذا تحققت خسارة يتحملها حملة الأسهم بحسب ما يمتلك كل منهم ويعتبر التعامل في الأسهم العادية حلالا متى كانت الشركة المصدرة لها تتعامل في الحلال.
وتعتبر الشركات بصفة عامة والشركات المساهمة بصفة خاصة من دعائم الأنشطة الاقتصادية في أي دولة وبدونها يكون الكساد والتخلف، وتحاول الدول وضع النظم وسن القوانين لتشجيع هذا المجال من الاستثمار.
كما تعتبر الأسهم من أهم الأوراق المالية التي يتم التعامل عليها في سوق الأوراق المالية حيث تسهل من انسياب الأموال لتمويل المشروعات وهذا ما تسعى الدول لتحقيقه.
والشيء بالشيء يُذكر يجب على دعاة المصالح المرسلة من الفقهاء أن يشجعوا هذا النوع من الاستثمار ولا يصدوا عنه لأنه افضل من إيداع الأموال في البنوك بفائدة... إن المصلحة الحقيقية للوطن هو تشجيع إنشاء الشركات وحث الناس على شراء الأسهم الحلال بدلا من تخزينها في البنوك بفائدة وفقا لنظام المتاجرة في الديون، وهناك فروق جوهرية بين الربح الحلال الناتج من الأسهم وبين الربا الناتج من إيداع المال لدى البنوك التقليدية.
خامسا: استثمار الأموال بنظام المضاربة الإسلامية مع البنوك الإسلامية:
لقد أُسِسَتْ المصارف الإسلامية على أساس تجميع المال بصيغة المضاربة الإسلامية، فالعقد الذى بين المستثمر وبين المصرف الإسلامي هو عقد مضاربة يقوم على أساس قاعدة: (الغُنم بالغُرم أي المشاركة في الربح والخسارة)، ويقوم المصرف الإسلامي بتشغيل تلك الأموال واستثمارها مع الغير بصيغ المشاركة والمرابحة والإجارة والاستصناع والسلم ونحو ذلك، وما يأتي من ربح يوزع بينه وبين أصحاب الأموال وتقوم هيئات الرقابة في المصارف الإسلامية بالاطمئنان من أن هذه المعاملات تتم وفقا لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وتعطى بذلك شهادة تنشر مع القوائم المالية.
ومن ثم نجد مثلا أن العقود التي بين أصحاب الأموال (المستثمرين ـ المودعين) وبين المصرف الإسلامي هي عقود مضاربة لا يضمن فيها المصرف ربحا معينا ولا يحدده مقدما بل يُعرف بعد استثمار هذه الأموال في تمويل المشروعات ومعرفة الأرباح الفعلية التي تُقسم بينهم وبين المصرف وذلك في نهاية كل فترة مالية.
وبالرغم من الشبهات أو الأخطاء التي تقع فيها بعض المصارف الإسلامية في بعض الدول العربية والإسلامية والأجنبية إلا أنها في مجملها أفضل من إيداع الأموال في البنوك التقليدية التي هي موضع شك وريبة ولا يطمئن إليها كثير من الناس.
وهناك فرق شاسع بين أن تتعامل مع بنك يجتهد ليطبق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وبين بنك علماني يفصل بين الدين والمعاملات ويتعامل بالربا ولو سُمى باسم آخر أو مع بنك أجنبي يدعم دولا أجنبية.
وفى هذا المقام نناشد المسئولين عن المصارف الإسلامية بأن يتقوا الله في معاملاتهم، كما نطلب من هيئات الرقابة الشرعية بذل المزيد من الجهد في الرقابة الفعالة لتأكيد الثقة وتجنب الشك وسد باب الذرائع.
استثمار الأموال من خلال المؤسسات التعاونية:
تقوم المؤسسات التعاونية المختلفة على نظام المساهمة والمشاركة وفقا لأسس معينة ولا تختلف هذه المؤسسات عن نظام الاستثمار في الشركات إلا من حيث نظم العمل والإدارة حيث تقوم على أساس قاعدة
(المشاركة في الربح والخسارة ـ الغنم بالغرم) وعدم ضمان ربح معين، ومن أمثلة ذلك تعاونيات الإسكان، تعاونيات النقل، تعاونيات التعليم، تعاونيات التأمين.
صيغ أخرى لاستثمار المال:
وهناك صغ استثمار أخرى للمال يضيق المقام لبيانها مثل المزارعة والمساقاة والسلم والاستصناع والإجارة المنتهية بالتمليك وما ذكر كان على سبيل المثال لا الحصر.
